أحدث إصدارات رئيس الطائفة الإنجيلية

الأقباط والثورة

ذكريات لا تنسى حفرتها الأعوام الأربعة الماضية التي لم تكن سهلة أو بسيطة، بل امتلأت بتوترات وصراعات من هولها في بعض الأوقات تصورت أن هذه النهاية، أو لصعوبتها توقعت أن ما يحدث أقوى من أن يحتمل أو يتم التعامل معه.
ولكن بعد مرور هذه السنوات الأربع، بما تحمل من أفراح وأتراح، انتصارات وإخفاقات، يجب أن أقف لأقدم شكرًا لله الذي أعاننا في خضم الأحداث، وعبر بنا وسط كل ما فات، وأتاح لنا أن نكتب مستقبلاً، نرجو اللهَ أن يكون أكثر إشراقًا.
ومن هنا أتت فكرة هذا الكتاب: التوثيق. التوثيق لخبرة ذاتية، فقد لا يتسع العمر ليمر المرء مرتين بمثل هذه الظروف الكثيفة والعنيفة، التي مثلما كانت صعبة، تعلمت منها الكثير. فقد تم اتخاذ العديد من القرارات المصيرية، سواء على المستوى الشخصي أو مستوى الأسرة، وصولاً لقرارات ذات صلة بأكثر من مليون مصري مسيحي إنجيلي.
ولهذا كانت الخبرة الذاتية التي رويت تفاصيلها في هذا الكتاب مريرة تارة، وسببًا لضغط وضيق تارة، ومرات كانت تحمل أفراحًا وانتصارات لن تنسى.
إلا أن الكتاب ليس مجرد خبرة ذاتية، حيث إن هذه الخبرة تم توثيقها، بشكل منهجي، لتكون شاهدًا على التاريخ، لتقدم للأجيال التي عاصرت الأحداث تفاصيل ما كان يحدث في بعض الكواليس. وتقدم للأجيال القادمة، عبرة وعظة لما يحدث في الثورات وما يليها من اضطرابات، حتى يرسو الوطن على بر الأمان. لكن لا يمكن أن ينهى كتاب مثل هذا بدون تقديم قراءة لاهوتية سياسية، في قرينة شرق أوسطية ذات تميز خاص. من خلال التوقف أمام رسالة الكنيسة ومسئوليتها الاجتماعية والسياسية في المجتمع المعاصر، ثم مناقشة قضايا ترتبط بالمشاركة السياسية للأقباط، مثل الهوية والمواطنة والعقيدة والروحانية، وهي قضايا تمثل بدايات التأصيل اللاهوتي للمشاركة السياسية للأقباط. وإنني لا أدعي أن هذا الطرح يمثل رؤية لاهوتية متكاملة، لكنه محاولة أولى لوضع عدد من الأفكار الهامة المرتبطة بقضية المشاركة في المجتمع آملاً أن يكون مدخلاً لعمل متكامل حول اللاهوت السياسي العربي.
ولا يسعني إلا أن أقدم جليل الشكل لهيئة لانجهام للنشر، لدعمها لنشر هذا الكتاب، والتي طالما تبذل مجهودًا كبيرًا في نشر العلم والمعرفة في شتى بقاع العالم. وأيضًا أود أن أوجه شكرًا للباحثين المساعدين لي في هذا الكتاب، نبيل نجيب، وديفيد فيكتور، لما قد قدماه من مجهود.
نهاية أرجو الله أن يكون هذا الكتاب سبب منفعة لكل قارئ أو باحث أو مطلع مهتم بشئون الأقباط، وأن يكون الكتاب لبنة صغيرة في التوثيق لأعوام مرت على مصر، وغيرت فيها شكلاً ومضمونًا.

الدكتور القس أندريه زكي اسطفانوس
القاهرة في 20 فبراير 2015