آراء و أقلام إنجيلية

مفهوم الجهاد في المسيحية

  • بقلم: د.ق. مدحت موريس

سوف يكون حديثي في السطور القليلة القادمة حول مفهوم الجهاد في المسيحية، فإذا كان الكتاب المقدس قد تحدث في آيات كثيرة عن الجهاد، يا ترى ماذا كان يقصد؟ جهاد من؟ وجهاد ضد من؟
أولاً: من الناحية اللغوية، كلمة "اجتهد لها مفاهيم كثيرة، أهمها: اجتهد أي: بذل ما في وسعه، ومن الجدير بالذكر أن الكلمة يختلف معناها حسب الكلمات الأخرى التي تعانقها! فمثلاً: كلمة "العصر" قد تعني "الزمن"، كالقول: "التمرد سمة هذا العصر"، وقد تعني "وقت من اليوم"، كالقول: "جئتُ من العمل بعد العصر"، وقد تعني "عملية استخراج العصير"، كالقول: "نتخلص من قشر الليمون بعد العصر"! إذًا فالإصرار على معنى واحد هو في الأصل بعيد كل البعد عما قصده الكتاب المقدس.
ثانيًا: الآية التي يقول فيها الرسول بولس: "فَاشْتَرِكْ أَنْتَ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ كَجُنْدِيٍّ صَالِحٍ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ" (2تي2: 3)، يقصد هنا الاجتهاد في القيام بالرسالة المنشودة منا في الحياة، بإخلاص وولاء تمامًا مثلما يفعل الجندي الصالح، وفي هذا الجزء يضع بولس ثلاثة أمثلة لاحتمال المشقات، وبذل الجهد، وهي: الجندي الصالح، الرياضي الملتزم، الفلاح المثابر. وكلها تدل على الاجتهاد في الحياة الروحية والعملية.
ثالثًا: المشبه ليس كالمشبه به في كل شيء، بل يكفي جانب أو أكثر للتشبيه، فمثلاً عندما نقول: "فلان كالأسد" هل المقصود منها أنه حيوان ومن ذوات الأربع كالأسد مثلاً؟! أم ربما المقصود منها الشجاعة والقوة، أو القول: "فلان كالثعلب"، ألا يُقصَّد بها المكر والدهاء؟! وغيرها. فالبعض يذكر أن الإمبراطور في النظام الروماني كان بكثرة أتباعه، وليس بالتوريث أو الانتخاب، وهذا لا يرمي إليه الرسول بولس لا من قريب ولا من بعيد، فالتشابه لا يعني التطابق!
رابعًا: هل مارس السيد المسيح الجهاد بمعنى استخدم القوة ضد من يعاديه؟ ألم يقل: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44)، أيضًا قال: "رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!" (مت26: 52)، إنها قوة الحب لا حب القوة!
خامسًا: هل مارس رسل السيد المسيح الجهاد (بالمفهوم المتداول) في بداية المسيحية؟ أم أن الاضطهاد وقع عليهم؟ اسمع ماذا قال واحدٌ منهم، وهو بولس: "وَنَتْعَبُ عَامِلِينَ بِأَيْدِينَا. نُشْتَمُ فَنُبَارِكُ. نُضْطَهَدُ فَنَحْتَمِلُ. يُفْتَرَى عَلَيْنَا فَنَعِظُ" (1كو4: 12- 13)
سادسًا: المعانِ المقصودة من الجهاد في العهد الجديد، منها:
1. الجهاد في الصلاة:
"فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَبِمَحَبَّةِ الرُّوحِ أَنْ تُجَاهِدُوا مَعِي فِي الصَّلَوَاتِ مِنْ أَجْلِي إِلَى اللهِ" (رو15: 30)، "يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ ابَفْرَاسُ، الَّذِي هُوَ مِنْكُمْ، عَبْدٌ لِلْمَسِيحِ، مُجَاهِدٌ كُلَّ حِينٍ لأَجْلِكُمْ بِالصَّلَوَاتِ" (كو4: 12).
2. جهاد الإيمان:
"جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَنَ" (1تي6: 12)، "قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ" (2تي4: 7).
3. ضبط النفس والجهاد ضد الخطية:
"وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبِطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ" (1كو9: 25)، "مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب12: 4).
4. الجهاد لأجل توصيل رسالة الحق بالحب:
"سَاعِدْ هَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ جَاهَدَتَا مَعِي فِي الإِنْجِيلِ" (في4: 3)، وفي هذا النص الكتابي يتحدث بولس عن سيدتين خادمتين، هل كانت كل واحدة منهما تجاهد بطرق تتنافي مع تعاليم المحبة التي رسخها السيد المسيح له المجد في كل من ٱمن به ؟..بكل تأكيد فأن جهاد السيدتين كانتا في ظل التعاليم الكتاب المقدس ولاسيما في عهده الجديد والتي تدعو للمحبة والإنتصار على الذات.
5. الجهاد ضد إبليس (الشيطان):
وهنا يعلنها الرسول بولس صراحًة: "فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ... مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ" (أف6: 12).
من كل هذه الآيات الكتابية –وغيرها- تتضح المعان المختلفة للجهاد في المسيحية، إنه جهاد روحي لا حربي، جهاد يتحدى النفس لا الآخر، وما أجمل وما أرقى أن يتحدى الإنسان نفسه، فينتصر على شهواته، ويسمو على رغباته.