آراء و أقلام إنجيلية

العذراء مريم في الفكر الإنجيلي

  • بقلم: ق. رفعت طنيوس بدروس

الحديث عن القديسة المطوبة (العذراء مريم) حديث شاق وشيق. نعم شاق، لأنك تتقابل مع خليط من الأفكار والمعتقدات المختلفة بين المذاهب المسيحية. بل والأديان أيضًا. ألا أنه حديث شيق جدًا، لأنك تتقابل مع شخصية لها مكانتها الروحية والأدبية في المجتمع. بل وفي الحياة. حتى وأن كان ما جاء عنها في كلمة الله قليل. إلا أنه يكفي أن يوضح لنا الهدف الأسمى في حياتها. ولكي نستمتع بالحديث مع القديسة العذراء مريم علينا الرجوع لما جاء في (لو1: 26-55 وأيضًا يو ص2- و يو ص19، وأع ص1) والتي تظهر بعض المواقف من حياة القديسة العذراء مريم، ولكي تكتمل الصورة أمامنا نتأمل جيدًا كلام كل من...
أ- جبرائيل الملاك.
حامل البشارة وشارحها، والذي هو أحد الأرواح الخادمة للقديسين. هكذا كتب كاتب العبرانيين:" ثُمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ:" اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ"؟ أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!."(عب1: 13-14). فهو جاء إليها يحمل لها بشارة سلام الأنعام، والبركة المظللة بقوة العلي.(لو1: 26-35).
ب- أليصابات.
الشاهدة والمؤكدة للبشارة. نعم شاهدة أثبات. فبعد أن امتلأت بالروح القدس أعلنت قائلة: " مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟"(لو1: 42-43). فجاءت كلماتها مؤكدة لرسالة الملاك. بل أعلنت بقوة عن قيمة هذا الحبل المقدس، والذي جعل الجنين يركض بفرح وهو في الرحم، كما أعلنت عن يقين إيمان القديسة العذراء مريم بالرسالة وقبولها لها في قولها: "فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ"(لو1: 45).
ج- مريم العذراء.
المستقبلة للرسالة في تواضع وخضوع وفرح. ومن كلمات العذراء مريم يأتي الفكر الإنجيلي عنها. نعم فهي تقودنا إلى شخصيتها ومكانتها، وكيفية التعامل معها. فهي تقول أنها...
1- أمة الرب.
أي خادمته في طاعة وخضوع "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ". ليس تقليل من شأنها بل رفعة لقدرها. فمن من الناس يستحق أن يكون خادمًا لله. إلا الذي يتضع أمامه فيرفعه "لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ"، وهذا ما أعلنته أيضًا "أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ". فهي تشعر بالفخر بأنها الخادمة المؤتمنة على عطية الله للعالم. كما أنها مدركة حالتها تمامًا لأن الرب قال:"اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ"(مت11: 11).
2- قبولها لأمر الرب.
فتقول للملاك "لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ". هذا القبول المحفوف بالمخاطر الكثيرة في مجتمعها وبين ذويها. فلم تعير كلام الناس اهتمامًا بقدر طاعة الله وقبول خدمته مهما كانت التكلفة. وهذا يدل على يقين إيمانها بسلطان الله. كما أعلنت أليصابات عنها. فكان سؤالها للملاك " كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟" ليس رفض للأمر على الإطلاق. بل طلب توضيح كيفية الحصول على هذه الكرامة.
3- تعظيمها لله.
"تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ"، فلسان حالها من أكون أنا ليكرمني الله هكذا. هذا شعور كل شخص يعرف عمل الله العظيم معه. فبحلول الروح القدس عليها تقدست حياتها واصبحت (أناء للكرامة) صالح لعمل الله وتمجيده. وهكذا يعلن الرسول بولس للمؤمنين فيقول:" أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟"(1كو3: 16). وبذلك يتمجد الله في قديسيه.
4- فرحها بخلاصها.
"وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي"، فهي تعرف جيدًا ضعفها البشري، واحتياجها للخلاص من الخطية، وذلك بقبول عطية الله للعالم "يسوع المسيح"، فهي لم تستثني نفسها من هذا الاحتياج المباشر لكل البشر. بل أعلنت بفرح قبولها لهذا الخلاص بالإيمان وتكريس الحياة، وفي طاعة تامة لعمل المخلص قدمت في حياتها النموذج الواثق في قدرات الرب فقالت للخدم:" مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ" فهذه الكلمات لم تخرج بغير يقين. بل خرجت من قلب قد حفظ ما قيل عنه وعن عمله.
5ـ- التغني بعمل الله.
فتعلن بفخر عن 6 أفعال تصدر من الله في حياتنا (صنع. شتت. أنزل. رفع. أشبع. صرف) وكلها تدل على قول شخص مختبر لعمل الله في حياته. وكأنها تطابق القول:"هَلُمَّ اسْمَعُوا فَأُخْبِرَكُمْ يَا كُلَّ الْخَائِفِينَ اللهَ بِمَا صَنَعَ لِنَفْسِي"(مز66: 16). فهي تعظم الرب في كل ظروف حياتها حتى وقت الألم فقد قال لها سمعان الشيخ "وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ، لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ"(لو2: 35) وهذا ما حدث تمامًا عند الصليب. إلا أننا نراها فرحة ومهللة مع التلاميذ في العلية بعد القيامة "هؤُلاَءِ كُلُّهُمْ كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّلاَةِ وَالطِّلْبَةِ، مَعَ النِّسَاءِ، وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ"(أع1: 14).
6- تذكر وعد الله.
"عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً ". يا له من أمر غاية في الأهمية أن نتذكر مواعيد الله وننتظرها. فأتمام وعد الله بإعلان وتعضيد (فتاه القدوس - تجسد ابن الله) الآتي للعالم ليكون المنقذ من الخطية والواهب حياة ورحمة لشعبه. هو فرح وغبطة لكل مؤمن واثق في محبة الله ورحمته. فالبشير يوحنا يصف هذا الخبر العظيم ويقول: "لأَنَّ خُبْزَ اللهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ"(يو6: 33)، وهذا كان يقين إيمان القديسة العذراء مريم وسر غبطتها. لأن من خلالها تمت النبوة " وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ "عِمَّانُوئِيلَ"(إش7: 14، مت1: 23).
7- الامتنان للأكرام.
" فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي". فهي تعترف بأن ما صنعه معها الرب سيجعلها حديث الأجيال. لأنهم يذكروها بالتطويب (السعادة) أي يمدحونها ويهنئونها على رفعة الرب لها، ولأن " الصِّدِّيقُ يَكُونُ لِذِكْرٍ أَبَدِيٍّ."(مز112: 6)، فنعم نحن نطوبها ونجلها ونقدرها لاختيار الله لها لهذه الخدمة العظيمة. الخدمة التي لا يستطيع إنسان أن يشعر بعظمتها وقيمتها نظيرها. فهي المتفردة بين النساء القديسة العذراء مريم. فدعونا نقول: " بَنَاتٌ كَثِيرَاتٌ عَمِلْنَ فَضْلاً، أَمَّا أَنْتِ فَفُقْتِ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا"(أم31: 29). وهذا يقودنا لنتأمل حياة من سبقونا وعاشوا للرب " انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ"(عب13: 7).
هذا هو حديث القديسة العذراء مريم وأقرارها عن نفسها.